الفتوى وضوابطها

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.. أما بعـــد:

فإن الفتوى هي: الإخبار بالحكم الشرعي لمن سأل.

ومما يدل على أهمية الفتوى أمور:

الأمر الأول: قد تولاها رب العالمين:

قال تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلَالَةِ} (النساء:176)، وقال تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} (النساء:127)، وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ} (البقرة:189)، وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} (البقرة:217)، وعلى هذا فالمفتي بمنزلة الموقِّع عن رب العالمين.

الأمر الثاني: ولرفعة شأن الفتوى فقد جعلها الله وظيفة سيد المرسلين[ فقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل:44) فبيَّن عليه الصلاة والسلام للناس ما نزل إليهم فعلَّم المتعلمين وأفتى المستفتين، وما ترك خيرا إلا ودلَّ عليه، ولا شرا إلا وحذر منه، وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

الأمر الثالث: ولرفعة مكانة الفتوى وشرف قدرها فقد حرم الله تعالى التساهل في أمرها؛ فلا يجوز أن يتولاها إلا عالم بكتاب الله وسنة رسوله[، قال تعالى مخاطبا المستفتين: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (النحل:43) يعني أهل العلم بالكتاب والسنة.

وقال تعالى مخاطبا المفتين: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} (النحل:116).

أركان الفتوى:

للفتوى أربعة أركان: مفتٍ، ومستفتٍ، ومستفتًى عنه ، ومفتًى به.

المفتي: هو الذي يصدر الحكم الشرعي، ويشترط فيه شرطان أساسان: الأول: العلم، ودليله : قوله تعالى –ناهيا نهي تحريم عن القول في دين الله بغير علم-: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولا} (الإسراء:36)، وقوله تعالى : {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} (النحل:116)، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (الأعراف:33) وفي الحديث المتواتر: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.»

ويدخل تحت هذا الشرط:

كونه عارفا بأدلة الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح.

كونه ملما بعلوم القرآن والحديث والنحو واللغة والتصريف ومواضع اختلاف العلماء واتفاقهم مما يمكنه من الاستنباط والاستدلال الصحيح.

كونه سليم الذهن.

كونه عارفا بمقاصد الشريعة، قادرا على المقارنة بين المصالح والمفاسد، خبيرا بفقه المآلات مراعيا ذلك كله في فتاواه.

كونه خبيرا بواقع الناس وأحوالهم، قال ابن القيم:» ينبغي للمفتي أن يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم فإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ».

الشرط الثاني: كونه عاملا بمقتضى علمه، ودليل شرطية العمل بمقتضى العلم قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (البقرة:44) وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُون} (الصَّف:2-3)

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله[ يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه».

المستفتي، ويلزمه ما يلي:

أن يستفتي عن حكم الله مبتعدا عن حكم غير الله ، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} (النساء:60) وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء:65)، لا يجوز له الحياء من السؤال عما أشكل عليه من أمر دينه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» وقالت أم سلمة رضي الله عنها: «إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة شيء إذا احتلمت؟».

ألا يسأل على سبيل التعنت والتقعر وإظهار العلم والذكاء.

المستفتى عنه: وهو المسألة المسؤول عنها، ويجب أن تكون واقعة تحتاج إلى بيان حكمها، أما افتراض غير الواقع من المسائل البعيدة والخوض فيها بالرأي والاجتهاد فمنهي عنه، والأصل في النهي عن الخوض فيما لم يرد به وحي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (المائدة:101) ولما فيه من الاشتغال بما لا يعنيك عما يعنيك، وقد قال[: «من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه» وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله[: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته».

المفتى به: هو الحكم المستمد من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الذي كملت شروطه.

ضوابط الفتوى:

1. الاستمداد من الأدلة الشرعية: ويعني الأخذ بما أجمع عليه أئمة الهدى، وإذا تعددت الأقوال في المسألة أخذ بأرجحها وهو الأقوى دليلا.

2. تحقيق مناط الفتوى: ومعناه تنزيل الفتوى على واقعها وذلك يتطلب فقه المفتي بالواقع حتى لا يسهل في غير محله ، ولا يشدد في محل التسهيل، ولا يخرج الفتوى عن ظروفها وملابساتها الزمانية والمكانية.

3. التحري للإيضاح والتبيين: فيتحرى وضوح عبارات الفتوى وسلامتها من التعقيد اللفظي حتى لا تكون ألفاظه حمالة أوجه قابلة للتأويل والتلاعب.

4. الاستفسار من المستفتي: فيسأله عن حقيقة مسألته، حتى يفهم المراد قبل إصدار الحكم؛ فإن كثيرا من المستفتين لا يجيدون طرح السؤال.

5. إفادة المستفتي بما لم يسأل عنه: وذلك إذا علم المفتي من حال المستفتي أنه مع حاجته إلى بيان حكم ما سأل عنه محتاج إلى أن يبين له معه حكم شيء آخر لم يسأل عنه، والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام للصياد الذي سأله عن الوضوء بماء البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته».

6. الإعراض عما لا يفيد والإفتاء بما يفيد: إذا سأل المستفتي عما لا يفيده وترك السؤال عما يفيده أعرض المفتي عما لا يفيد المستفتي وأفتاه بما يفيده، والأصل فيه قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ} (البقرة:189) حيث قالوا: ما لها تبدو صغارا؟ ثم تكبر ثم تعود صغارا؟ فترك تعالى الجواب عن هذا السؤال لكونه لا يفيدهم وأفتاهم بما يفيدهم فقال: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ}.

7. ألا يسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر إذا لم تتقدم معرفة له بالحكم المسؤول عنه، وأما إذا سبقت معرفته بحكمه فلا بأس بالمبادرة.

8. أن يقول لا أدري إذا سئل عما لا يدري، ففي حديث جبريل المشهور: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل.» وروى الإمام أحمد بن حمدان الحنبلي في كتابه القيم (صفة الفتوى والمفتي والمستفتي) عمن سأل النبي[: أي البلاد شر؟ فقال: لا أدري، فسأل جبريل فقال: لا أدري، فسأل ربه عز وجل فقال: «أسواقها».

9. ألا تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الرخص والحيل المحرمة أو المكروهة.

10. الحذر من الإفتاء في حال تشوش فكره: بغضب أو عطش أو حزن أو نعاس أو ملل أو تعب شديد أو مرض ونحوها من كل ما يخرجه عن حد الاعتدال.

11. التفريق بين مسائل الفتوى ومسائل القضاء: فينبغي أن يكون المفتي حذرا من الوقوع والبت فيما هو من شأن القضاء.

12. التيسير في مواطن الخلاف: فإن منهج السلف الصالح من هذه الأمة قائم على ضرورة تسامح المسلمين فيما بينهم فيما اختلفوا فيه إذا كان المختلف فيه مسألة من مسائل الاجتهاد قابلة للاختلاف، سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمن قلد بعض العلماء في مسائل الاجتهاد فهل ينكر عليه ويهجر؟ فأجاب رحمه الله: «الحمد لله..مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه، ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه، فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به، وإلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين» وقال أيضا: «إن هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه، ..ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة».

13. الحذر من الفوضوية في الفتاوى: إن من الملاحظ في واقعنا أن للمسلمين غراما بالاستفتاء، فما من شخص يتبوأ مكانة في الجرأة وشيئا قليلا من العلم والمعرفة إلا وتجد الناس يتسارعون إلى استفتائه في كثير من المسائل التي ربما سبق أن استفتوا فيها عددا غير قليل من أهل العلم، ولا يستغرب مع هذه الحال أن يوجد خلاف شديد وتناحر بين من يستفتون كل من هب ودب.

وإن مما يستغرب حقا أن الجمعيات والمؤسسات الإسلامية التي ظهرت مع طلوع شمس الصحوة المباركة لا يوجد في هياكلها التنظيمية في الغالب أي بند يخص رعاية شؤون الإفتاء، أو إعداد المفتين، ومعنى هذا أن كل فرد من أفراد المجموعة عالما كان أو نصفه أو أقل من ذلك من حقه أن يمارس الإفتاء على الانفراد دون مشورة الآخرين، وهذا يعني أن الارتجال في الإفتاء بات سمة أساسية لتلك الجمعيات التي أسست لتسعى إلى تصحيح ما اعوج من تصورات الناس لحقائق الدين وقضاياه.

وهذا مرتع خطير لا بد من وضع حد له، فإذا كان التطبيب من غير طبيب جريمة يعاقب عليها القانون الوضعي بأقسى العقوبات، فإن الإفتاء بغير علم ينبغي أن يعاقب عليه القانون عقوبة لا تقل عن العقوبة المرتبة على التطبب بغير علم، تنزل بأولئك الذين يتصدون للإفتاء قبل تمكنهم من أدواته وعلومه الضرورية.

14. في هذا العصر يتطلب الأمر الابتعاد قدر الإمكان عن الإفتاء الفردي خاصة في المسائل التي تعم بها البلوى ويمكن أن يترتب على الخطأ فيها تشتيت شمل الأمة، أو إيقاع شبابها في فتن لا مخرج لهم منها، وقد تصطلي الأمة كلها بنيرانها؛ ولهذا يرى عامة أهل العلم عدم تصدي الأفراد للاجتهاد في النوازل العامة ، وكان هدي النبي[ جمع أعيان الصحابة وعلمائهم عندما تنزل نازلة عامة ولا يكون فيها وحي من عند الله، وكذلك كان منهج خلفائه رضوان الله عليهم أجمعين.

ومن هنا تتجلى أهمية الاجتهاد الجماعي لكونه مما يقلل الخطأ، ويدرأ شبهة اتباع الأهواء.

وختاما: فإن هذه الفوضوية التي تعيشها مناطقنا في العالم الإسلامي في مجال الإفتاء تجرنا إلى عرض بعض المقترحات وهي: تأسيس مجالس وطنية للإفتاء يشترك فيها من العلماء والفقهاء من توافرت فيهم شروط الإفتاء إلى جانب مد جسور من التعاون مع إخوانهم من كبار العلماء في العالم الإسلامي.

إقامة دورات توعوية للإفتاء وإيجاد برامج إعلامية لتحذير العامة ومن في حكمهم من التصدي للإفتاء، وتنبيههم إلى خطورة ذلك حالا ومآلا.

تعاون الجماعات والمؤسسات الإسلامية على تأسيس معاهد علمية لإعداد كوادر متخصصة في الإفتاء، من حيث ضوابطه، وشروطه، وآدابه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

د. محمد أحمد لوح

 al-forqan.net :المصدر

Facebook Comments

Comments are closed.